أبي بكر جابر الجزائري

520

ايسر التفاسير لكلام العلى الكبير

وآداب وأخلاق بما لا نظير له في أي كتاب سبق ، وقوله : مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ أي تولى تفصيلها حكيم خبير ، حكيم في تدبيره وتصرفه ، حكيم في شرعه وتربيته وحكمه وقضائه ، خبير بأحوال عباده وشؤون خلقه ، فلا يكون كتابه ولا أحكامه ولا تفصيله إلا المثل الأعلى في كل ذلك . وقوله : أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ أي أنزل الكتاب وأحكم آية وفصّل أحكامه وأنواع هدايته بأن « 1 » لا تعبدوا إلا اللّه إذ لا معبود حق إلا هو ولا عبادة تنفع إلا عبادته . وقوله إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ هذا قول رسوله المبلغ عنه يقول أيها الناس إني لكم منه أي من ربكم الحكيم العليم نذير بين يدي عذاب شديد إن لم تتوبوا فتؤمنوا وتوحدوا . وبشير أي أبشر من آمن ووحد وعمل صالحا بالجنة في الآخرة وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا « 2 » رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتاعاً حَسَناً إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى أي وبأن تستغفروا ربكم باعترافكم بخطئكم بعبادة غيره ، ثم تتوبوا إليه أي ترجعوا إليه بالإيمان به وبرسوله ووعده ووعيده وطاعته في أمره ونهيه ، ولكم جزاء على ذلك وهو أن يمتعكم في هذه الحياة متاعا حسنا بالنعم الوفيرة والخيرات الكثيرة إلى نهاية آجالكم المسماة لكل واحد منكم . وقوله وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ « 3 » أي ويعط سبحانه وتعالى كل صاحب فضل في الدنيا من بر وصدقة وإحسان فضله تعالى يوم القيامة في دار الكرامة الجنة دار الأبرار . وقوله : وَإِنْ تَوَلَّوْا أي تعرضوا عن هذه الدعوة فتبقوا على شرككم وكفركم فَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ وهو عذاب يوم القيامة . وقوله تعالى : إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ يخبرهم تعالى بعد أن أنذرهم عذاب يوم القيامة بأن مرجعهم إليه تعالى لا محالة فسوف يحييهم بعد موتهم ويجمعهم عنده ويجزيهم بعدله ورحمته وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ومن ذلك احياؤهم بعد موتهم ومجازاتهم السيئة بمثلها والحسنة بعشر أمثالها وهذا هو العدل والرحمة اللذان لا نظير لهما .

--> ( 1 ) فالباء سببية ، وأن : تفسيرية ، إذ لو سأل سائل فقال : لم أحكمت الآيات ثم فصلت ؟ لكان الجواب : بأن لا يعبد إلا اللّه وأن يستغفر وان يتاب إليه تعالى . ( 2 ) إن قيل : لم قدّم الاستغفار عن التوبة ؟ فالجواب : بأن العبد لا يستغفر إلّا إذا علم أنه أذنب ، ولا يتوب العبد حتى يعلم أنه مذنب وعندها يتوب فهذا سرّ تقديم الاستغفار عن التوبة . ( 3 ) هذا كقوله تعالى : لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْ فَضْلِهِ فالفضل الأوّل من العبد ، وهو العمل الصالح ، والفضل الثاني من الرّب وهو دخول الجنة .